كيف نجد الكلمات التي ترقى الى ألم استشهاد، يا من أسرت القلوب وقلوب كل من عرفك أو سمع عن مآثرك وخبر شجاعتك أو رأى أعمالك الطيبة وقرأ عن سيرتك العطرة. لقد كنت بالنسبة لنا، رحمك الله، أباً عطوفاً، ناصحاً، هادياً، صبوراً، محباً، تتابع عن كثب أحداث حياتنا، تمدنا دائماً بالعون واقفاً بجانبنا، نراك كلما احتجنا الى موعظتك الغالية، تهدّئ من روعنا تارة وتحثنا على العمل تارة أخرى. لم تكن وقعات صفاتك هذه تنزل فقط علينا نحن أبناءك، بل كنت تنثر الحكمة والموعظة الحسنة على كل من عرفت ولم تعرف من أبناء شعبك في لبنان، تفرح لفرحهم، وتحزن لحزنهم، تشاركهم المحن في السراء والضراء، تبادر الى أخذ المواقف الشجاعة، تدافع عن حقوقهم وتحميهم بكل ما أعطيت من قوة. لم تسعَ وراء الثروات والمناصب ولا المظاهر الكذابة، بل كنت تسعى دائماً لنيل رضى خالقك جلّ وعلا، غير خائف بالله لومة لائم. لم يهنأ لك بال، عندما كنت تشاهد وطنك وشعبك يجابه الويلات حتى تقوم بالعمل الصادق الدؤوب لمدّ يد المساعدة والعون وبأي طريقة لتحقيق الإصلاح ونشر المحبة والوئام، كم كنت رقيق القلب تجد الفرح في إسعاد الآخرين، حريصاً على نيل رضى والديك رحمهما الله، وأذكر عندما كانت والدتك، رحمها الله تعالى، على فراش الموت، كيف كنت تحملها وتمشي بها على شرفات منزلك، لتخفف من وطأة أوجاعها، وهي تنزل عليك رضاها ودعاءها لك بالخير، وتغرغر العبرات على محياك، جزاك الله عنها كل الرضى والخير، كنت تصل الرحم، حنوناً على الصغار، مجلاً للكبار، تعلمنا منك ابتسامة الثغر والتفاؤل. أرى تعاملك مع من يعمل معك، فقد كانت معاملة الأب لأبنائه وليس معاملة الآمر الناهي، فكانوا جميعهم بالنسبة لك أبناء ورفاق درب، شعروا بأبوتك فتألموا لفراقك، بكوك كما بكيناك، بكوا فيك كما بكينا فيك كرمك وبشاشة وجهك، بكينا جميعاً فيك العطاء والتسامح والتفاؤل، افتقدنا كما افتقد شعبك رعايتك وعدلك واعتدالك وجهادك ومواقفك الشجاعة بإشهار الخطأ ودفاعك الدائم عن الحق والظلم. لقد كنت نِعم العالم، كنت أراك تصلي صلاة الفجر في المسجد، وما أن تنتهي من صلاتك وتدريسك في المسجد حتى تأخذ بيد تلاميذك وتسألهم عن أولادهم وأسرهم، تهوّن على المهمومين همومهم، وتشاركهم فرحهم وسرورهم، لقد اخترت طريق التواضع واثقاً كل الثقة بخالقك، مؤمناً أن لكل أجل كتاب، وأنت من قلت عندما نقلوا لك خبر التخطيط لاغتيالك: "أنا مشتاق للقاء ربي" وأنت من كنت تقول: إن الموت حق والجنّة حق والنار حق. نعم لقد استشهدت، فهنيئاً لك هذه الشهادة التي تحققت بعد مرور أسبوع على رؤيتك، من حيث لا تدري، في المنام لمقامك في الجنّة بإذن الله. اليوم وبعد مرور واحد وعشرين عاماً على استشهادك، ما زالت ذكراك في قلوب أبنائك الذين هم من صلبك، وفي قلوب أبناء شعبك بكل أطيافه، فبعد واحد وعشرين عاماً لا يزال شعبك يشهد لك ولأعمالك، فهنيئاً لك بما زرعت وبما ما زلت تحصد من دعاء الناس لك. إحدى وعشرون سنة مرت علينا بعد استشهادك، وفي كل يوم نراك كأنك حاضراً بيننا، ما زالت صلاتك الخاشعة وتلاوتك العذبة لآيات كتاب الله تتردد في قلوبنا ويتردد فيها صدى صوتك الصادح بالايمان، وما زالت صورتك ماثلة في عيوننا وقلوبنا، نحلم بصدى صوتك الحنون فتغص الحناجر وتبكي القلوب قبل العيون، تفتقدك رفيقة دربك والدتنا أطال الله بعمرها وأنعم عليها بالصحة والعافية، ما زلنا نفتقدك، فالفراغ الذي تركته كبير بل فراغ جلل. لقد غادرتنا فرحاً بوعد رب العزة والجلالة الذي وعد به الصابرين، اللهم إني أشهد انك كنت من المؤمنين الخاشعين الصابرين المحتسبين. ولا نملك إلا أن نقول حسبي الله ونعم الوكيل. رحمك الله أيها الوالد الحنون، رحمك الله أيها العالم الوقور، رحمك الله أيها الإمام الطاهر، رحمك الله أيها الشيخ الحكيم، رحمك الله أيها المفتي الشهيد، رحمك الله يا حسن خالد. في الذكرى الـ21 لاستشهاد المفتي الشيخ حسن خالد التي تصادف يوم غدٍ في 16 أيار 2010.