|
ليس جديدا ما يقوله البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير هذه الأيام. فالبطريرك لم يغيّر مواقفه منذ جلوسه على كرسي البطريركية منتصف الثمانينات، كما لم تغيّر البطريركية المارونية مواقفها الوطنية منذ نشأتها في هذا الشرق.... عهود مرت، عروش سقطت، شعوب عبرت، أمبراطوريات إنهارت، أنظمة تغيّرت، أمّا البطريركية فبقيت. وسرّ بقائها لم يكن يوما بقوتها المادية أو بجيوشها الجرّارة، ولا بأسلحتها الثقيلة أو الحديثة، سرّ بقائها يكمن في ثباتها وإلتزامها قضايا مجتمعها ومراعاة محيطها ونصرة المظلومين والوقوف بوجه الظالمين والمعتدين. قوتها معنوية، سلاحها الإيمان والرجاء.
وبعد نقول أنّ البطريركية منحازة؟ نعم هي دائما منحازة، إنّما لمصلحة رعيتها ومصلحة الوطن الذي تؤمن به، لمصلحة كرامة وحرية الفرد ولخير الجماعة. هل مطلوب من البطريرك أن يكون ضد الدولة ومع الدويلة؟ هل مطلوب من البطريرك أن يكون ضد سيادة الدولة ومع التدخلات الخارجية في الشؤون الوطنية؟ هل مطلوب من البطريرك أن يكون مع السلاح خارج الشرعية؟ هل مطلوب من البطريرك أن يوافق على أخذ لبنان الى رهانات بعيدة عن وجهه التاريخي؟ هل مطلوب من البطريرك أن يكون شاهد زور على زوال لبنان؟ هل مطلوب من البطريرك أن يكون مع شرذمة المجتمع والإسفاف في التخاطب السياسي؟ لا يا سادة، البطريركية المارونية لا يمكن أن تكون إلاّ ما تعوّدت دوما أن تكونه. والبطريرك مار نصرالله بطرس صفير، سليل البطاركة القديسين، لا يمكن أن يكون إلا مؤتمنا على مصير المسيحيين وعلى مصير لبنان. البطريرك مار نصرالله بطرس صفير لا يمكن أن يكون إلا مع لبنان دولة سيدة حرة مستقلة، حاضنة لكلّ أبنائها، وهي وحدها مركز ومصدر القوة. فكيف نتّهم البطريرك بالإنحياز؟ وهل نحن نخال أنّ المسيحيين الذين هم أساس وعلّة وجود لبنان، والذين كانوا دائما مع خيار الدولة، أن يقبلوا بغير هذه المسلّمات؟ فحتى في عزّ تخلّي الدولة عن واجباتها، ظلّ المسيحيون متمسّكين بعودتها وضحّوا بالكثير لأجل تحقيق ذلك. لا أحد يريد، ولا البطريرك يريد أن يتعاطى في الشؤون السياسية اليومية. أمّا عندما تكون الخيارات مصيرية على مستقبل لبنان ومستقبل المسيحيين فيه، فلا هو ولا نحن نقبل أن يتهرّب من تحمّل مسؤولياته التاريخية. أنتم يا سادة من يجب أن تنضمّوا الى توجّهات البطريركية وتأخذوا بها، أنتم من يجب أن تقتربوا من خيارات البطريرك وتعملوا بها، لا أن تحاولوا أخذ البطريرك بإتجاه خياراتكم الآنية. إنه بطريرك انطاكيا وسائر المشرق، إنه بطريركنا جميعا، فلا تنكروه قبل صياح الديك، وخصوصا لا تنكروه ثلاث مرات، مرة قبل الإنتخابات إذا لم ينادِ بتوجهاتكم وتحالفاتكم، ومرة خلالها إذا لم يعطِكم دعمه، ومرة بعدها عندما يتبّين أنّه كان على حق وكنتم أنتم المخطئين. د. نبيل سركيس |