|
ملف الحريري لن يمرّ بفراغ قانوني: في عهدة لبنان حتى وصوله الى لاهاي العدّ العكسي لانطلاق المحكمة الدولية الخاصة بلبنان قضاة المحكمة الخاصة بلبنان يعرفون أنفسهم ويعرفهم أيضاً الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون. رئيس مجلس القضاء الأعلى اللبناني يعرف القضاة الأربعة الذين اختيروا من أصل 12 قاضياً تمّ ترشيحهم من المجلس في وقت سابق من السنة الماضية، بفعل مواكبته مع وزير العدل إجراءات انتقالهم من بيروت الى لاهاي، في الوقت المناسب.
سور سميك من السرية يحيط بأسماء قضاة لبنان والقضاة الذين تمّ اختيارهم من دول عدة عربية وأوروبية وغربية، بعد تقويم المؤهلات والصفات. السرية مفروضة حتى، ولو تناهت إلى علمك أسماء من هنا وهناك، تحت طائلة "تحمل مسؤولية أي ضرر يلحق بهم أو بعائلاتهم". يقول لك المسؤولون في المحكمة الخاصة بلبنان إن الإعلام اللبناني ينشر بين حين وآخر أسماء قضاة يزعم أنهم من طاقم المحكمة، في حين أن ما يُنشر لا يتطابق مع واقع الحال. يُبدي الجميع حرصاً على السرية، فالوقاية واجبة، لأن التقييم الأمني المتوافر لدى المسؤولين عن تأسيس المحكمة الخاصة بلبنان سلبي، فثمة اعتقاد راسخ بأن ثمة خطراً يُحدق بهؤلاء القضاة، لأن العاملين على تعطيل مسار المحكمة لا يُستهان بهم، بل هم كما سبق وكتب سيرج براميرتز، المقيم حالياً في لاهاي بسبب تسلمه وظيفة المدعي العام لدى المحكمة الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة، يملكون قدرة فائقة على المراقبة، والرصد، وتنفيذ الاغتيالات في لبنان. ويتوزع قضاة المحكمة الخاصة بلبنان على فئتين، فئة أولى تشارك في المحكمة البدائية التي سوف تحاكم المتهمين على مستوى الدرجة الأولى، وتعداد هذه الفئة محصور بقاضٍ لبناني واحد لا غير الى جانب قاضيين دوليين إثنين، أما الفئة الثانية، فتضم القضاة الأعضاء في المحكمة الاستئنافية التي تنظر بمحاكمة المتهمين بالدرجة الثانية والنهائية، وتعداد القضاة اللبنانيين على هذا المستوى هو ثلاثة قضاة، إثنان دائمان وثالث احتياطي. ونظام القضاة الاحتياطيين في المحكمة الخاصة بلبنان مهم للغاية، ذلك أنهم يحضرون المحاكمات كما لو كانوا قضاة دائمين، بحيث يتمكنون من الحلول فوراً، وفي أي مرحلة من مراحل المحاكمة مكان القاضي الدائم الذي ينقطع عن الحضور، لأي علة كانت بدءاً بالاستقالة مروراً بالمرض وصولاً الى الموت. قاضي ما قبل المحاكمة وهو نفسه قاضي الإجراءات التمهيدية، هو جزء لا يتجزأ من "الجمعية العمومية" لقضاة المحكمة الخاصة بلبنان، التي ستكون من 12 قاضياً دائماً ورديفاً، وسوف يجتمعون في وقت لم يُحدد علناً بعد، من أجل انتخاب أحدهم رئيساً وثانٍ نائباً للرئيس. إعلان التعيينات لا يمكن أن يتأخر، بغض النظر عن استدعاء جميع القضاة الى بدء العمل. التعيينات يُفترض أن تكون في مهلة أقصاها أسبوعان، لأن المطلوب من القضاة القيام بأمور محورية لانطلاق عمل المحكمة الخاصة بلبنان. من بين الوظائف المناطة بهم في المرحلة التمهيدية، إلى انتخاب رئيس المحكمة ونائبه، وضع نظام الإجراءات الجزائية والإدارة الخاص بالمحكمة، الذي على أساسه ستنطلق التحقيقات في النيابة العامة التابعة للمحكمة، ومن دونه كل شيء سيكون محكوماً بالجمود. ومعلوم أن المدعي العام في المحكمة الخاصة بلبنان، وهو القاضي الكندي دانيال بيلمار، لن يستطيع أن يطلب إيداعه ملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري إلا من خلال قاضي ما قبل المحاكمة، الذي لن يستطيع التحرك من دون توافر النظام الداخلي للمحكمة. وبقضاة المحكمة مناط وضع هذا النظام الداخلي. المعلومات المتوافرة من مصادر عدة تشير الى أن هناك اتصالات بين قضاة المحكمة نجم عنها وضع مشروع نهائي لنظام المحكمة، الأمر الذي يعطي صدقية عالية للتوقعات القائلة بأن قسم اليمين لن يتجاوز نهاية النصف الثاني من آذار المقبل. النيابة العامة في المحكمة الخاصة بلبنان لا تعتبر في عداد الطاقم القضائي، بل هي جهاز منفصل تمام الانفصال، لها في المبنى الخاص بالمحكمة طابقان منفصلان ولها ناطق رسمي خاص بها وفيها لبناني، هو نائب المدعي العام، وقد جرى تعيينه في وقت سابق عندما أرسلت الحكومة اللبنانية اقتراحاً تضمّن إسمين: إسم قاض وإسم قاضية متابعة للملف عن كثب وعن قرب. قضاة النيابة العامة ليسوا جزءاً من قضاة المحكمة بل هم فريق يشرف على عمل المحققين المطلوب وتحديد المشتبه بهم في الفترة الأولى، وعلى تحديد المتهمين في الفترة الثانية، ويحضرون في المحاكمات على أساس أنهم فريق يمثل الضحايا ويتواجه مع الدفاع، أي الفريق الذي يمثل المتهمين. المهمة الأولى للنيابة العامة في المحكمة الخاصة بلبنان هي إقناع قاضي ما قبل المحاكمة بكل ما تقدمه من طلبات. الطلب المقبول حكماً هو نقل ملف اغتيال الرئيس الحريري مع الموقوفين فيه من بيروت الى لاهاي ومن سجن روميه الى السجن التابع للمحكمة في ضاحية من ضواحي لاهاي. ولأن المحكمة حريصة على تأكيد استقلاليتها عن النيابة العامة واستقلالية النيابة العامة عنها، تعمدت أن يكون في المؤتمر الصحافي الذي سيشهده المقر بعد ظهر اليوم موظف مسؤول في مكتب الدفاع بالإضافة الى متحدث باسم النيابة العامة ومتحدث باسم إدارة المحكمة. ولكن ما سوف يحصل اليوم في المحكمة على أهميته لن يكون هو الأهم، لأن أفق مرحلة وضع حد للإفلات من العقاب سيظهر جلياً في الأول من آذار 2009. أهالي الضحايا غير مدعوين الى احتفال الأول من آذار، لأن المحكمة ليست لأهالي الضحايا حصراً بل هي أيضا لأهالي المشتبه بهم والمتهمين. وأهالي المشتبه بهم، بالنسبة للمحكمة لم يتم تحديدهم بعد، لأن الملف، بمعناه الزجري والعقابي، يبقى من صلاحية القضاء اللبناني حتى يتم توجيه الطلب المناسب الى السلطات اللبنانية بإيداع المحكمة ملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ما يعني أن القضية، وخلافاً لما يحاول البعض ترويجه، لن تمر بأي فراغ قضائي، فالصلاحية تبقى للبنان حتى اللحظة التي تتسلم فيها المحكمة الصلاحية. أما الملفات الأخرى، أي تلك التي تضم ملفات شهداء ثورة الأرز، فسوف يتم طلب نقل تلك التي توافرت أدلة ارتباطها بملف اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وهذا شرط بات متوافراً في ثلاثة ملفات على الأقل. ( غداً: شروحات أهل المحكمة ) لايشندام (لاهاي) - فارس خشان |